الثعلبي

151

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لا تثنّى ولا تجمع ، وقيل : أراد سمع كل واحد منهم كما يقال : آتني برأس كبشين ، أراد برأس كل واحد منهما ، قال الشاعر : كلوا في نصف بطنكم تعيشوا * فإن زمانكم زمن خميص « 1 » وقال سيبويه : توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 2 » يعني الأنوار . قال الراعي : بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب « 3 » وقرأ ابن عبلة : وعلى أسماعهم ، وتم الكلام عند قوله وَعَلى سَمْعِهِمْ . ثم قال : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ : أي غطاء وحجاب ، فلا يرون الحق ، ومنه غاشية السرج ، وقرأ المفضل بن محمد الضبي : غِشاوَةً بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم : أي وختم على أبصارهم غشاوة . يدل عليه قوله تعالى : وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً « 4 » . وقرأ الحسن : غُشاوَةٌ بضم الغين ، وقرأ الخدري : غَشاوَةٌ بفتح الغين ، وقرأ أصحاب عبد اللّه : غشوة بفتح الغين من غير ألف . وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ : القتل والأسر في الدنيا ، والعذاب الأليم في العقبى ، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه ، ومنه : عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم ، وقال الخليل : العذاب ما يمنع الإنسان من مراده ، ومنه : الماء العذب لأنه يمنع من العطش ، ثم نزلت في المنافقين : عبد اللّه بن أبي بن سلول الخزرجي ، ومعتب بن بشر ، وجدّ بن قيس وأصحابهم حين قالوا : تعالوا إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونكون مع ذلك مستمسكين بديننا ، فأجمعوا على أن يقرّوا كلمة الإيمان بألسنتهم واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود . فقال اللّه : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 16 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )

--> ( 1 ) زاد المسير : 1 / 22 . ( 2 ) سورة البقرة : 257 . ( 3 ) قائله علقمة بن عبدة راجع ديوانه : 27 ؛ وتفسير الطبري : 4 / 324 . ( 4 ) سورة الجاثية : 23 .